مكيدة اصطيادقلوب الجاهلين والمبطلين من كلام ابن القيم رحمه الله تعالى

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

مكيدة اصطيادقلوب الجاهلين والمبطلين من كلام ابن القيم رحمه الله تعالى

مُساهمة من طرف ابوعبدالرحمن القرشي في الأربعاء سبتمبر 23, 2009 11:18 pm

فصل في مكيدة اصطياد قلوب الجاهلين والمبطلين
ومن مكايد عدو الله ومصايده ، التي كاد بها من قل نصيبه من العلم والعقل والدين ، وصاد بها قلوب الجاهلين والمبطلين : سماع المكاء ، والتصدية ، والغناء بالالات المحرمة، الذي يصد القلوب عن القرآن ، ويجعلها عاكفة على الفسوق والعصيان . فهو قرآن الشيطان . والحجاب الكثيف عن الرحمن . وهو رقية اللواط والزنا . وبه ينال العاشق الفاسق من معشوقه غاية المنى . كاد به الشيطان النفوس المبطلة . وحسنه لها مكرا منه وغرورا . وأوحى إليها الشبه الباطلة على حسنه فقبلت وحيه واتخذت لأجله القرآن مهجورا . فلو رأيتهم عند ذياك السماع وقد خشعت منهم الأصوات ، وهدأت منهم الحركات . وعكفت قلوبهم بكليتها عليه . وأنصبت أنصبابة واحدة إليه . فتمايلوا له ولا كتمايل النشوان ، وتكسروا في حركاتها ورقصهم ، أرأيت تكسر المخانيث والنسوان ؟ ويحق لهم ذلك ، وقد خالط خماره النفوس ، ففعل فيها أعظم ما يفعله حميا الكؤوس . فلغير الله ، بل للشيطان ، قلوب هناك تمزق . وأثواب تشقق . وأموال في غير طاعة الله تنفق . حتى إذا عمل السكر فيهم عمله . وبلغ الشيطان منهم أمنيته وأمله . واستفزهم بصوته وحيله . وأجلب عليهم برجله وخيله . وخز في صدورهم وخزا. وأزهم إلى ضرب الأرض بالأقدام أزا . فطورا يجعلهم كالحمير حول المدار . وتارة كالدباب ترقص وسيط الديار . فيارحتما للسقوف والأرض من دك تلك الأقدام . ويا سوأتا من أشباه الحمير والأنعام . ويا شماتة أعداء الإسلام . بالذين يزعمون أنهم خواص الإسلام . قضوا حياتهم لذة وطربا . واتخذوا دينهم لهوا ولعبا . مزامير الشيطان أحب إليهم من استماع سور القرآن . لو سمع أحدهم القرآن من أوله إلى آخره لما حرك ساكنا . ولا أزعج له قاطنا . ولا أثار فيه وجدا . ولا قدح فيه من لواعج الشوق إلى الله زندا ، حتى إذا تلى عليه قرآن الشيطان . وولج مزموره سمعه ، تفجرت ينابيع الوجد من قلبه على عينيه فجرت ، وعلى أقدامه فرقصت ، وعلى يديه فصفقت ، وعلى سائر أعضائه فاهتزت وطربت ، وعلى أنفاسه فتصاعدت ، وعلى زفراته فتزايدت ، وعلى نيران أشواقه فاشتعلت . فيا أيها الفاتن المفتون ، والبائع حظه من الله بنصيبه من الشيطان صفقة خاسر مغبون ، هلا كانت هذه الأشجان ، عند سماع القرآن ؟ وهذه الأذواق والمواجيد عند قراءة القرآن المجيد ؟ وهذه الأحوال السنيات ، عند تلاوة السور الآيات ؟ ولكن كل امرىء يصبو إلى ما يناسبه ، ويميل إلى ما يشاكله، والفضيلةية علة الضم قدرا وشرعا ، والمشاكلة سبب الميل عقلا وطبعا ، فمن أين هذا الإخاء والنسب ؟ لولا التعلق من الشيطان بأقوى سبب . ومن أين هذه المصالحة التي أوقعت في عقد الإيمان وعهد الرحمن خللا ؟ " أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلا " .

وقد أحسن القائل :

تلي الكتاب، فأطرقوا، لا خيفة لكنه إطراق ســـاه لا هي

وأتي الغناء، فكالحمير تناهقوا والله ما رقصوا لأجـل الله

دف ومزمار، ونغمــة شــادن فمتى رأيت عبادة بملاهي؟

ثقل الكتاب عليهــم لمــا رأوا تقييـــده بـــأوامر ونواهــي

سمعوا له رعدا وبرقا،إذ حوى زجرا وتخويفا بفعل مناهي

ورأوه أعظم قاطع للنفس عن شهواتها، يا ذبحها المتناهي

وأتى السماع موافقا أغراضها فلأجل ذاك غدا عظيم الجاه

أين المساعد للهوى من قاطع أسبابه، عند الجهول الساهي؟

إن لم يكن خمرالجسوم ، فإنه خمرالعقول مماثل ومضاهي

فانظر إلى النشوان عند شرابه وانظر إلى النسوان عند ملاهي

وانظر إلى تمزيق ذا أثوابه من بعد تمزيق الفؤاد اللاهي

واحكم فأي الخمرتين أحق بالتحريم والتــــــــأثيم عنــــد اللـــــه ؟

وقال آخر :

برئنا إلى الله من معشر بهم مرض من سماع الغنا

وكم قلت: ياقوم، أنتم على شفا جرف ما به من بنا

شفا جرف تحته هوة إلى درك، كم به من عنا ؟

وتكرار ذا النصح منا لهم لنعذر فيهم إلى ربنا

فلما إستهانوا بتنبيهنا رجعنا إلى الله في أمرنا

فعشنا على سنة المصطفى وماتوا على تنتنا تنتنا

ولم يزل أنصار الإسلام وأئمة الهدى، تصيح بهؤلاء من أقطار الأرض ، وتحذر من سلوك سبيلهم ، واقتفاء آثارهم ، من جميع طوائف الملة .

قال الإمام أبو بكر الطرطوشي في خطبة كتابه ، في تحريم السماع :

الحمد لله رب العالمين ، والعاقبة للمتقين ، ولا عدوان إلا على الظالمين ، ونسأله أن يرينا الحق حقا فنتبعه ، والباطل باطلا فنجتنبه . وقد كان الناس فيما مضى يستر أحدهم بالمعصية إذا واقعها ، ثم يستغفر الله ويتوب إليه منها ، ثم كثر الجهل ، وقل العلم ، وتناقص الأمر ، حتى صار أحدهم يأتي المعصيه جهارا ، ثم ازداد الأمر إدبارا ، حتى بلغنا أن طائفة من إخواننا المسلمين - وفقنا الله وإياهم - استنزلهم الشيطان ، واستغوى عقولهم في حب الأغاني واللهو ، وسماع الطقطقة والنقير ، واعتقدته من الدين الذي يقربهم إلى الله . وجاهرت به جماعة المسلمين وشاقت سبيل المؤمنين ، وخالفت الفقهاء والعلماء وحملة الدين ، " ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا " فرأيت أن أوضح الحق . وأكشف عن شبه أهل الباطل ، بالحجج التي تضمنها كتاب الله ، وسنة رسوله ، وأبدأ بذكر أقاويل العلماء الذين تدور الفتيا عليهم في أقاصي الأرض ودانيها ، حتى تعلم هذه الطائفة أنها قد خالفت علماء المسلمين في بدعتها . والله ولي التوفيق .

ثم قال : أما مالك فإنه نهى عن الغناء ، وعن استماعه ، وقال : إذا اشترى جارية فوجدها مغنية كان له أن يردها بالعيب .

وسئل مالك رحمه الله ، عما يرخص فيه أهل المدينة من الغناء ؟ فقال : إنما يفعله عندنا الفساق .

قال : وأما أبو حنيفة ، فإنه يكره الغناء ، ويجعله من الذنوب .

وكذلك مذهب أهل الكوفة : سفيان ، وحماد ، وإيراهيم ، والشعبي ، وغيرهم . لا اختلاف بينهم في ذلك ، ولا نعلم خلافا أيضا بين أهل البصرة في المنع منه .

قلت : مذهب أبي حنيفة في ذلك من أشد المذاهب ، وقوله فيه أغلظ الأقوال . وقد صرح أصحابه بتحريم سماع الملاهي كلها ، كالمزمار ، والدف ، حق الضرب بالقضيب ، وصرحوا بأنه معصية ، يوجب الفسق ، وترد به الشهادة ، وأبلغ من ذلك أنهم قالوا : إن السماع فسق ، والتلذذ به كفر . هذا لفطهم ، ورووا في ذلك حديثا لا يصح رفعه .

قالوا : ويجب عليه أن يجتهد في أن لا يسمعه إذا مر به ، أو كان في جواره .

وقال أبو يوسف ، في دار يسمع منها صوت المعازف والملاهي : ادخل عليهم بغير إذنهم ، لأن النهي عن المنكر فرض ، فلو لم يجز الدخول بغير إذن لامتنع الناس من إقامة الفرض .

قالوا : ويتقدم إليه الإمام إذا سمع ذلك من داره ، فإن أصر حبسه أو ضربه سياطا ، وإن شاء أزعجه عن داره .

وأما الشافعي : فقال في كتاب أدب القضاء : إن الغناء لهو مكروه ، يشبه الباطل والمحال . ومن استكثر منه فهو سفيه ترد شهادته .

وصرح أصحابه العارفون بمذهبه بتحريمه . وأنكروا على من نسب إليه حله ، كالقاضي أبي الطيب الطبري ، والشيخ أبي إسحق ، وابن الصباغ .

قال الشيخ أبو إسحق في التنبيه : ولا تصح - يعني الإجارة - على منفعة محرمة ، كالغناء والزمر، وحمل الخمر . ولم يذكر فيه خلافا .

وقال في المهذب : ولايجوز على المنافع المحرمة، لأنه محرم، فلا يجوز أخذ العوض عنه كالميتة والدم .

فقد تضمن كلام الشيخ أمورا .

أحدها : أن منفعة الغناء بمجرده منفعة محرمة .

الثاني : أن الاستئجار عليها باطل .

الثالث : أن أكل المال به أكل مال بالباطل ، بمنزلة أكله عوضا عن الميتة والدم .

الرابع : أنه لا يجوز للرجل بذل ماله للمغني، ويحرم عليه ذلك . فإنه بذل ماله في مقابلة محرم ، وأن بذله كبذله في مقابلة الدم والميتة .

الخامس : أن الزمر حرام .

وإذا كان الزمر- الذي هو أخف آلات اللهو- حراما، فكيف بما هو أشد منه ؟ كالعود . والطنبور ، واليراع . ولا ينبغي لمن شم رائحة العلم أن يتوقف في تحريم ذلك . فأقل ما فيه : أنه من شعار الفساق وشاربي الخمور .

وكذلك قال أبو زكريا النووي في روضته :

القسم الثاني : أن يغني ببعض آلات الغناء، بما هو من شعار شاربي الخمر، وهو مطرب كالطنبور والعود والصنج ، وسائر المعازف ، والأوتار . يحرم استعماله ، واستماعه . قال : وفي اليراع وجهان ، وصحح البغوي التحريم .

ثم ذكر عن الغزالي الجواز . قال : والصحيح تحريم اليراع ، وهو الشبابة .

وقد صنف أبو القاسم الدؤلعي كتابا في تحريم اليراع .

وقد حكى أبو عرو بن الصلاح الإجماع على تحريم السماع، الذي جمع الدف والشبابة . والغناء ، فقال في فتاويه :

وأما إباحة هذا السماع وتحليله ، فليعلم أن الدف والشبابة والغناء إذا اجتمعت ، فاستماع ذلك حرام ، عند أئمة المذاهب وغيرهم من علماء المسلمين . ولم يثبت عن أحد - ممن يعتد بقوله في الإجماع والاختلاف - أنه أباح هذا السماع ، والخلاف المنقول عن بعض أصحاب الشافعي إنما نقل في الشبابة منفردة، والدف منفردا، فمن لا يحصل ، أو لا يتأمل ، ربما اعتقد خلافا بين الشافعيين في هذا السماع الجامع هذه الملاهي ، وذلك وهم بين من الصائر إليه ، تنادى عليه أدلة الشرع والعقل ، مع أنه ليس كل خلاف يستروح إليه ، ويعتمد عليه ، ومن تتبع ما اختلف فيه العلماء ، وأخذ بالرخص من أقاويلهم ، تزندق أو كاد . قال : وقولهم في السماع المذكور : إنه من القربات والطاعات ، قول مخالف لإجماع المسلمين ، ومن خالف إجماعهم فعليه ما في قوله تعالى : " ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا " .

وأطال الكلام في الرد على هاتين الطائفتين اللتين بلاء الإسلام منهم : المحللون لما حرم الله، والمتقربون إلى الله بما يباعدهم عنه .

والشافعي وقدماء أصحابه ، والعارفون بمذهبه : من أغلظ الناس قولا في ذلك .

وقد تواتر عن الشافعي أنه قال : خلفت ببغداد شيئا أحدثته الزنادقة ، يسمونه التعبير . يصدون به الناس عن القرآن .

فإذا كان هذا قوله في التغبير، وتعليله : أنه بصد عن القرآن ، وهو شعر يزهد في الدنيا ، يغني به مغن ، فيضرب بعض الحاضرين بقضيب على نطع أو مخدة على توقيع غنائه - فليت شعري ما يقول في سماع التغبير عنده كتفلة في بحر. قد أشتمل على كل مفسدة، وجمع كل محرم ، فالله بين دينه وبين كل متعلم مفتون ، وعابد جاهل .

قال سفيان بن عيينة : كان يقال : احذروا فتنة العالم الفاجر، والعابد الجاهل ، فإن فتنتهما فتنة لكل مفتون .

ومن تأمل الفساد الداخل على الأمة وجده من هذين المفتونين .

ابوعبدالرحمن القرشي
فني
فني

عدد المساهمات : 27
تاريخ التسجيل : 03/09/2009

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: مكيدة اصطيادقلوب الجاهلين والمبطلين من كلام ابن القيم رحمه الله تعالى

مُساهمة من طرف المشـــرف العــام في الإثنين أكتوبر 12, 2009 3:42 pm

شكرا على الموضوع وتقبل مروري
avatar
المشـــرف العــام
مشرفو المنتدى

عدد المساهمات : 345
تاريخ التسجيل : 10/04/2009
العمل/الترفيه : المشرف العام

http://shabowa-thrah.ahlamontada.net

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى